تمثل الأحداث التاريخية المستمرة أكثر من مجرد تسلسل وقائع، فهي بنية متشابكة من القوى والخيارات والتفاعلات التي تعيد إنتاج النظام نفسه في كل لحظة، ما يبدو كأزمة عابرة أو صراع محدد، في الواقع، هو انعكاس لمجموع من التحولات العميقة في السياسة والاقتصاد والمجتمع، حيث تتقاطع المصالح المباشرة مع النفوذ السياسي، وتتشابك القرارات الفردية مع الهياكل المؤسسية، خلال هذه العملية، لا يمكن فهم أي حدث بمعزل عن السياق الأكبر الذي نشأ فيه، إذ تصبح الأحداث نقاطًا على شبكة متحركة من التأثيرات المتبادلة، تتحرك فيها الدولة والفاعلون غير الرسميين معًا، ويتقاطع الاقتصاد الرسمي مع اقتصاد الظل، لتتشكل صورة مركبة للقوة والتأثير. إن التاريخ، بهذا المعنى، ليس معطًى ثابتًا، بل مجالًا لإنتاج المعنى، حيث تتنافس الفاعليات المختلفة على تأويله وإعادة كتابته بما يخدم تموضعها في الحاضر ورهاناتها على المستقبل
منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام
1979، دخلت إيران مرحلة تحول جوهري في طبيعة الدولة والممارسة السياسية، حيث لم
تعد الدولة كيانًا مؤسساتيًا جامدًا، بل صارت عملية مستمرة لإعادة إنتاج الشرعية
والسيادة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، لم تكن الثورة لحظة زمنية عابرة،
بل انطلاقًا لسلسلة من العمليات التي أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع،
وبين القدرة المادية والنفوذ السياسي، بحيث أصبح الفعل الإيراني مزيجًا من الصمود
والاستراتيجية وإعادة التموضع المستمر، غير أن هذا المسار لم يتشكل فقط عبر
الممارسة السياسية المباشرة، بل كذلك عبر بناء سردية تاريخية مؤطرة تمنح هذه
التحولات معناها وتبرر استمراريتها، حيث يغدو التحكم في الماضي شرطًا للتحكم في
الحاضر، وتصبح الذاكرة الجماعية أداة لإعادة إنتاج الشرعية، في هذا الإطار لم تعد
الحرب أو التوترات الإقليمية مجرد صراع على الأرض أو على الحدود، بل صيرورة لإعادة
إنتاج الدولة، حيث يتم تحويل الخسارة والمعاناة إلى موارد رمزية ومادية تعزز التماسك
الداخلي وتؤسس لشرعية ممتدة
وقد شكلت الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988) لحظة مفصلية في هذا المسار،
ليس فقط بوصفها مواجهة عسكرية، بل باعتبارها تجربة تأسيسية أعادت تشكيل بنية
الدولة وأجهزتها، وعلى رأسها الحرس الثوري، الذي لم يقتصر دوره على إدارة الحرب،
بل امتد إلى إعادة كتابة تاريخها وإضفاء معانٍ محددة عليها. فالحرب، كما يتم
استحضارها داخل الخطاب الإيراني، ليست مجرد حدث منتهٍ، بل ذاكرة حية تُستدعى
لتفسير السياسات الراهنة، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو بالعلاقات مع القوى
الكبرى، حيث يُعاد توظيفها لتأطير منطق عدم الثقة وتعزيز خطاب السيادة والاستقلال،
وفي هذا السياق، تتجاوز أهمية الحرب بعدها العسكري لتصبح مجالًا لصراع تأويلي حول
معناها وإرثها، إذ لا يتعلق الأمر فقط بما حدث، بل بكيفية روايته. فالسردية التي
صاغها الحرس الثوري تُظهر أن التاريخ ليس انعكاسًا محايدًا للوقائع، بل بناءً
استراتيجيًا يتم من خلاله تحديد موقع الدولة في الزمن السياسي.
ومن خلال هذه السردية، يتم تجاوز
القراءات الاختزالية التي حصرت التجربة الإيرانية في بعدها الأيديولوجي، ليظهر
بدلًا من ذلك تداخل معقد بين الإيمان كطاقة تعبئة رمزية، والقوة المادية كأداة
حاسمة في إدارة الصراع، بما يعكس عقلانية استراتيجية قائمة على الجمع بين البعدين
بدل التعارض بينهما. ومن داخل هذه الدينامية، برز كذلك نمط من الاقتصاد المزدوج،
حيث تداخلت البنية الرسمية مع اقتصاد غير رسمي أو إجرامي، لم يكن مجرد انحراف عن
النظام، بل أحد أدواته في التكيف مع الضغوط. فقد سمحت ظروف الحرب والعقوبات لإيران
بتطوير آليات بديلة لإدارة الموارد وتجاوز القيود الدولية، ما أفضى إلى نشوء شبكة
اقتصادية–سياسية معقدة تُسهم في إعادة توزيع القوة داخل الدولة وخارجها. ولم يكن
هذا الاقتصاد منفصلًا عن الاستراتيجية، بل جزءًا منها، حيث تم توظيفه لتعزيز
القدرة على الصمود وتحويل الأزمات إلى فرص لإعادة التموضع، ومع انتهاء الحرب
الباردة، ثم التحولات الكبرى التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، اتخذ هذا
النمط بعدًا إقليميًا أكثر وضوحًا، إذ توسع النفوذ الإيراني عبر شبكات متعددة
المستويات، تجمع بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، العسكريين والاقتصاديين،
ضمن فضاء مرن يعيد إنتاج التوازن. وفي هذا الامتداد، لم تعد الدولة تعتمد فقط على
أدوات القوة التقليدية، بل على قدرة مركبة تمزج بين السرد التاريخي، والامتداد الشبكي،
والاقتصاد غير الرسمي، بما يضمن استمرارية التأثير في بيئة دولية ضاغطة، تظل هذه
الدينامية مستمرة حتى اليوم، حيث تتقاطع مصالح إيران مع صراعات إقليمية ودولية
متعددة، ويغدو كل تصعيد جزءًا من بنية أوسع لإعادة إنتاج الدولة والنفوذ. فالتوتر
مع الولايات المتحدة، والصراع مع إسرائيل، وإدارة مجالات النفوذ في الإقليم، كلها
تُقرأ داخل إطار تاريخي يُعاد إنتاجه باستمرار، بحيث لا يكون الماضي مجرد خلفية،
بل موردًا استراتيجيًا فاعلًا وبهذا المعنى، تظهر إيران ليس كفاعل ثابت، بل كنظام
ديناميكي يعيد تشكيل ذاته عبر التفاعل المستمر بين الذاكرة والتجربة، بين
الإكراهات والفرص، وعليه فإن التاريخ الإيراني منذ الثورة لا يمكن قراءته كسلسلة
أحداث منفصلة، بل كعملية مستمرة لإنتاج المعنى والسلطة، حيث تتداخل السياسة
بالاقتصاد، والذاكرة بالاستراتيجية، لتتحول كل أزمة إلى لحظة لإعادة التعريف
والتموقع. إن التحكم في سردية الحرب، وفي دلالاتها الممتدة، يصبح هنا أحد أهم
أدوات القوة
إن الإشكال إذن يتعلق بسبب إصرار
إيران على الحفاظ على قدرة تخصيب اليورانيوم، إذ لم تكن مهتمة بتسليح برنامجها
النووي. وفي تفسير جزئي لسبب حديثه عن حرب مضى عليها عقود بينما كان الموضوع هو
اليورانيوم، أعلن وزير الشؤون الخارجية والممثل الدائم السابق لجمهورية إيران
الإسلامية لدى الأمم المتحدة جواد ظريف قائلًا: “لا يمكننا أن نبدأ التاريخ في
اللحظة التي نختارها، يجب معالجة الخلفية، ويجب معالجة الأبعاد التاريخية، إن
المصادر التاريخية لانعدام الثقة العميق والجاد لدى إيران تجاه سلوك الولايات
المتحدة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.” ثم لخّص وزير الخارجية فكرته قائلًا: “هذه
كلها حقائق تاريخية ما تزال حاضرة بقوة في أذهان الإيرانيين، قد نكون مستعدين
للمسامحة، كما قال نيلسون مانديلا مرة، لكننا لن ننسى، وفي الوقت الذي كان فيه
ظريف يشرح أهمية الحرب الإيرانية–العراقية وتاريخها للجمهور الأمريكي في نيويورك،
كان مسعود جزائري، وهو قائد مرموق في الحرس الثوري الإسلامي، ينقل الرسالة ذاتها إلى الشعب
الإيراني، فقد أكد جواد ظريف سنة 2015 أن أي علاقات مستقبلية بين إيران والولايات
المتحدة تتطلب معالجة انعدام الثقة التاريخي لدى الإيرانيين تجاه السلوك والنوايا
الأمريكية، وأرجع جزائري مصدر هذا الانعدام إلى الحرب الإيرانية–العراقية، معتبرًا
أن دعم الولايات المتحدة للعراق في ذلك الصراع يجعلها “شريكًا في كل الدمار
والجرائم التي وقعت خلال تلك الفترة.” وبالتالي حذّر قائلًا: “قبل أن تفكر أمريكا
في علاقاتها المستقبلية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يجب عليها أن تسدد
ديونها العديدة للشعب الإيراني
إن الأهمية المستمرة للحرب الإيرانية–العراقية في فهم خرائط القوة في الشرق
الأوسط لا تزال قائمة؛ فهذه القضية تُعد من القضايا القليلة التي يمكن أن يتفق
حولها المرشد السابق علي خامنئي وظريف وجزائري، رغم اختلاف خلفياتهم وأيديولوجياتهم
ورؤاهم لمستقبل إيران، والأهم من ذلك أن هؤلاء القادة، رغم انتمائهم إلى نظام
يواجه صعوبات في الحفاظ على شرعيته داخل مجتمع منقسم، كانوا على الأرجح يعبرون عن
رأي غالبية الإيرانيين حين أكدوا أن تأثير هذه الحرب ما يزال عميقًا وحاضرًا، غير
أن المشكلة تكمن في أنهم لا يتفقون؛ فالذاكرة الإيرانية تدرك أن إرث الحرب كبير،
لكنهم يختلفون حول معنى هذا الإرث وما ينبغي أن يكون عليه، وبما أنهم جميعًا
يقدّرون أهمية الحرب وقوة تاريخها، فإنهم يدركون أيضًا أن التحكم في مستقبل إيران
يرتبط بالقدرة على التحكم في ماضيها القريب، أي في تحديد مضمون ومعنى تاريخ الحرب
الإيرانية–العراقية. وهذا ما يفسر اعتماد الحرس الثوري الإيراني في تحليله للحرب
على العديد من المنشورات الفارسية حولها، والتي أعدها كبار أعضاء ووحدات الحرس
الثوري، خاصة مركز أبحاث وتوثيق الدفاع المقدس، حيث توفر هذه المنشورات فرصة نادرة
لفهم التاريخ الإيراني الحديث كما يراه من داخله
أول ما نكتشفه هو أن تجربة الحرب ومشروع كتابة تاريخها يشكلان عنصرين
أساسيين في بنية الحرس الثوري، وبالتالي في فهم هذه المؤسسة. وتعود أهميتهما إلى
عدة عوامل، منها تأثير الحرب والثورة على بعضهما البعض، ودور الحرب في شرعنة
وتأسيس الحرس والجمهورية، وتطور الحرس من خلالها إلى مؤسسة قوية، إضافة إلى نظرته
إلى التاريخ كأداة لصياغة الهوية الوطنية والقوة. كما تُظهر تحليلات الحرس أن
التاريخ ليس معطًى ثابتًا، بل يُصنع ويُكتب؛ فمضمون الماضي ليس واحدًا أو نهائيًا،
بل تحدده الجهات التي تضفي عليه المعنى. وهنا تتحدى رواية الحرس العديد من
التصورات السائدة في الدراسات الغربية، التي بالغت في التركيز على الخطاب الأيديولوجي
والديني، بينما تُظهر مصادر الحرس أن الحرب كانت صراعًا معقدًا استُخدمت فيه كل
الوسائل، من الإيمان إلى التخطيط العسكري والاحترافية. تستمر إيران في التمسك
ببرنامج تخصيب اليورانيوم كعنصر أساسي في استراتيجيتها الوطنية، ليس بوصفه مشروعًا
تقنيًا بحتًا، بل كأداة محورية لإعادة ضبط موازين القوة في سياق جيوسياسي مضطرب.
فالهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية على النظام الإقليمي بالشرق الأوسط تفرض قيودًا
صارمة على قدرة إيران على ممارسة نفوذها الإقليمي، ما يجعل التخصيب النووي وسيلة
لتعزيز موقفها التفاوضي، وتأمين استقلال القرار السياسي، وحماية مصالحها الاستراتيجية
أمام الضغوط الخارجية، وفي هذا الإطار تصبح كل خطوة في البرنامج النووي انعكاسًا
لإرادة إيران في تحديد سقف نفوذها وحجم ردود أفعالها في مواجهة ما تعتبره تهديدًا
وجوديًا
وتسعى الولايات المتحدة وإسرائيل، ضمن سياساتهما الجيوسياسية، إلى احتواء إيران عبر فرض قيود اقتصادية وسياسية وعسكرية، واحتلال مواقع استراتيجية في الخليج، وإعادة إنتاج قواعد القوة التقليدية لموازنة النفوذ الإيراني، وتؤكد هذه السياسات إدراكهما أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي للسيطرة على إيران، بل يجب دمجها مع أدوات اقتصادية ودبلوماسية لضمان استمرار التفوق الاستراتيجي، في المقابل تعتمد إيران على الهجمات ضد الدول الخليجية والقواعد الأمريكية كامتداد لاستراتيجيتها، ليس بدافع عدوانية عشوائية، بل كآلية لإعادة التوازن في فضاء القوة الإقليمي، ولإظهار محدودية القدرة الأمريكية على السيطرة الكاملة، وإعادة رسم حدود النفوذ بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. وتتحول كل مواجهة إلى فرصة لإعادة تموضع القوة وضمان الاستمرارية في مواجهة العقوبات والضغوط متعددة الأبعاد. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، تلعب روسيا دورًا حاسمًا في هذه المعادلة، إذ ترى في إيران شريكًا يعارض النفوذ الأمريكي–الغربي، ويسمح لها بتوسيع رقعة تأثيرها في الشرق الأوسط، خصوصًا في سوريا والعراق، مع الحفاظ على خطوط النفوذ التقليدية، ومن هنا يصبح النزاع الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي جزءًا من صراع متعدد المستويات بين القوى الكبرى، حيث تتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. أما الحرب القائمة، فهي ليست مجرد صراع تقليدي على الأرض، بل ساحة لتجريب استراتيجيات القوة المتكاملة، حيث تتفاعل الاعتبارات النووية والعسكرية والاقتصادية والسياسية معًا لتحديد موقع كل طرف ضمن النظام الدولي
وفي هذا الإطار، يظل التنبؤ بمصير
إيران غير ممكن بشكل مطلق، إذ يعتمد النصر على قدرة كل طرف على الحفاظ على تماسكه
الداخلي، واستثمار التحالفات الإقليمية والدولية، وتحويل الأزمات إلى مكاسب مرحلية،
وبرغم التفاوت في القوة العسكرية التقليدية، فإن إيران تمتلك قدرة على المناورة
ضمن شبكة نفوذ إقليمية، ما يجعل أي تصعيد محفوفًا بالتعقيد ومتعدد النتائج،
تعكس إذن السياسة الإيرانية تجاه
البرنامج النووي والهجمات الإقليمية فهمًا استراتيجيًا للتوازنات الدولية، حيث
تصبح كل خطوة عملية لإعادة ترتيب القوة، وكل مواجهة مجالًا لتأكيد النفوذ، بينما
تظل مآلات الحرب مفتوحة، مرهونة بمدى قدرة كل طرف على استثمار أدوات القوة المتاحة
ضمن نظام الإقليمي مرتبك، تُظهر التجربة الإيرانية أن فهم ما
يجري اليوم لا يمكن أن يتم خارج استحضار التداخل العميق بين الثورة والحرب بوصفهما
لحظتين مؤسستين في تشكل السلوك السياسي للدولة. فالثورة لم تؤسس فقط لنظام سياسي
جديد، بل أعادت تعريف علاقة الدولة بذاتها وبمحيطها، في حين جاءت الحرب
الإيرانية–العراقية لتختبر هذا التشكل تحت ضغط وجودي، وتعيد صياغته ضمن شروط
الصراع والاستمرارية. ومن هذا التفاعل تشكلت أنماط التفكير الاستراتيجي، وحدود
الفعل السياسي، وآليات التعامل مع التهديدات الخارجية
إن التاريخ هنا لا يُستدعى كذاكرة
ماضية، بل كإطار مرجعي يُنظّم الحاضر ويوجه الفعل السياسي. فالحرب، بما راكمته من
تجارب وخبرات، أصبحت جزءًا من البنية التفسيرية التي تعتمدها الدولة في قراءة
التهديدات وصياغة استجاباتها، بينما تظل الثورة الخلفية التي تمنح هذا التفسير
معناه واتجاهه، وعليه فإن إدراك ما يحدث اليوم في إيران يقتضي التعامل مع التاريخ
بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الحاضر، لا مجرد سياق سابق له؛ فالعلاقة بين الثورة
والحرب لا تمثل فقط مرحلة من الماضي، بل تشكل بنية مستمرة تؤطر السلوك السياسي،
وتحدد كيفية إدراك التهديد وصياغة الاستجابة، وإعادة تحديد موقع الدولة ضمن نظام
دولي الثابت فيه هو التغير في شكل الوقائع لا جوهرها.

إرسال تعليق