
لا
يمكن قراءة ما يجري في إيران اليوم بوصفه انفجارا اجتماعيا ظرفيا ناتجا عن أزمة
اقتصادية عابرة، ولا باعتباره مجرد حلقة جديدة في سلسلة احتجاجات مألوفة في دول
الجنوب، فما تشهده الجمهورية الإسلامية هو لحظة تكثيف تاريخي لصراع بنيوي طويل بين
مشروعين متوازيين في الوعي السياسي الإيراني: مشروع الدولة الحديثة كما تشكل قبل
الثورة الإسلامية في ظل النموذج البهلوي، ومشروع الدولة العقائدية الذي أعادت
الثورة الإسلامية سنة 1979 صياغته على أساس دمج الدين بالسياسة، هذا الصراع الذي
لم يُحسم تاريخيا، يعود اليوم في سياق داخلي مأزوم وإقليمي متفجر، ليطرح من جديد
أسئلة الدولة، والشرعية، وحدود الأيديولوجيا في عالم لم يعد يتسامح مع النماذج
المغلقة
ويمكن النظر إلى هذا الوضع في سياق الثورات
في العالم الإسلامي، التي أظهرت منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين
مدى هشاشة النظم التقليدية أمام المطالب الشعبية، مع إبراز عوامل مشتركة: غياب
الديمقراطية الحزبية، وضعف مؤسسات المجتمع المدني، وتمركز السلطة في فئة ضيقة من
النخب، فمثال سوريا يبرز بوضوح حين انهارت شرعية النظام التقليدي، لم يكن هناك نخب
بديلة قادرة على إدارة انتقال ديمقراطي مؤسسي، ما أدى إلى تفاقم الصراع، وتحول
الثورة إلى حرب أهلية، وانكماش المجتمع المدني في شكله المؤسساتي، هذا المثال يشكل
تحذيرا ضمنيا لإيران، إذ أي انهيار مفاجئ للنظام قد يؤدي إلى فراغ سياسي مماثل إذا
لم تتوافر قنوات تمثيل فعالة أو بدائل حزبية ومؤسساتية قادرة على امتصاص الصدمة
السياسية
قبل
الثورة الإسلامية، احتلت إيران موقعا مركزيا في جيوسياسة الشرق الأوسط بوصفها
حليفا استراتيجيا للغرب، وركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي التي صاغتها
الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة فقد راهن نظام الشاه محمد رضا بهلوي على
التحديث السريع وبناء دولة قومية مركزية تستلهم النموذج الغربي في الإدارة
والاقتصاد والتنظيم الاجتماعي، غير أن هذا المسار اتخذ طابعا فوقيا صريحا، حيث
فُرضت الحداثة من الأعلى دون مشاركة سياسية فعلية، ودون إدماج حقيقي للبنية
الثقافية والدينية في مشروع الدولة، وهكذا تشكّلت حداثة سلطوية، حديثة في أدواتها،
تقليدية في علاقتها بالمجتمع، ما أفقد الدولة قدرتها على إنتاج شرعية مستقرة، وفتح
المجال أمام المؤسسة الدينية لتقديم نفسها بوصفها بديلًا أخلاقيًا وسياسيًا لدولة
فقدت قدرتها على الإقناع
جاءت
الثورة الإسلامية لتفكك هذا النموذج، لا فقط عبر إسقاط النظام سياسي، بل من خلال
إعادة تعريف الدولة ذاتها ومصادر مشروعيتها فقد قدّمت الجمهورية الإسلامية نفسها
بوصفها قطيعة مع التبعية ومشروعا حضاريا بديلا، يجمع بين الاستقلال السياسي
والمرجعية الدينية غير أن الانتقال من “الإسلام الثوري” إلى “إسلام الدولة” كشف
سريعا عن تناقضات بنيوية عميقة: فالدين، حين يتحول إلى إطار مؤسساتي للحكم، يفقد
طابعه الجمعي، ويتحول تدريجيا إلى أداة ضبط اجتماعي، ما يضعه في مواجهة مباشرة مع
مجتمع متغير، شاب، ومتصل بالعالم، ومتفاعل ولو جزئيا مع قيم الحداثة السياسية
لقد
بُنيت شرعية النظام الإيراني، وفق منطق قريب مما وصفه ماكس فيبر بالشرعية
الكاريزمية، على ثلاث ركائز متداخلة: الثورة، والدين، والمواجهة مع الخارج غير أن
هذه الركائز، التي شكلت مصدر قوة واستقرار لعقود، بدأت تفقد فعاليتها الرمزية،
فالأجيال الجديدة لم تعش لحظة الثورة، ولا ترى في الخطاب التحريضي الدائم تفسيرا
مقنعا لتدهور شروط العيش، ولا في العداء الخارجي مبررا دائما لتعليق الحقوق
والحريات، وهكذا تتحول الاحتجاجات الراهنة من مطالب اجتماعية آنية إلى مساءلة
عميقة لأسس الشرعية السياسية ذاتها، في ما يشبه أزمة نموذج حكم أكثر من كونه أزمة
سياسات عمومية، مع إدراك الخطر المحتمل لفراغ السلطة إذا لم تُستبدل النخبة
السياسية الحالية بنخب قادرة على إدارة الدولة بشكل مؤسساتي، كما أظهرت التجربة
السورية مع بشار الأسد.
في
هذا السياق، يكتسب الصراع الطويل مع إسرائيل أهمية خاصة في فهم الوضع الداخلي
الإيراني فالمواجهة المباشرة، التي خاضتها إيران عبر ساحات إقليمية متعددة، وفرت
لها رأسمالا جيوسياسيا ومكانة إقليمية معتبرة، لكنها في المقابل فرضت كلفة داخلية
متزايدة، فقد ترافقت هذه المواجهة مع عقوبات اقتصادية خانقة، واستنزاف للموارد،
واتساع للفجوة بين أولويات الدولة الأمنية وأولويات المجتمع الاجتماعية، ومع مرور
الزمن، بات جزء متزايد من المجتمع الإيراني ينظر إلى هذا الصراع بوصفه عبئًا
استراتيجيًا لا ينعكس إيجابًا على حياته اليومية، ما عمّق التناقض بين منطق الدولة
الجيوسياسي ومنطق المجتمع الاجتماعي.
يتضاعف هذا التناقض داخل بنية شرق أوسطية شديدة
الاضطراب، حيث تتداخل الصراعات الإقليمية مع الحسابات الدولية، وتتحول الدول إلى
ساحات مفتوحة للتنافس، ففي جيوسياسة الشرق الأوسط لا تُقرأ الأزمات الداخلية بمعزل
عن توازنات الطاقة والأمن والتحالفات، وهو ما يجعل الحالة الإيرانية محط ضغط دائم
غير أن هذا الضغط الخارجي، بدل أن يفتح أفقًا للإصلاح السياسي، غالبًا ما يُسهم في
إعادة إنتاج منطق التعبئة الأمنية وتأجيل النقاش حول إعادة بناء العقد الاجتماعي
وفي هذا الإطار، تكشف التهديدات الأمريكية بالتدخل في إيران هشاشة النظام الدولي
في تعامله مع الأزمات الداخلية للدول ذات الثقل الجيوسياسي، فمجرد التلويح بالتدخل
يشكل انتهاكًا لروح القانون الدولي القائم على مبدأ السيادة وعدم التدخل، ولا
يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن النظام الإيراني أو تبرير ممارساته، بل بتأكيد قاعدة
قانونية وأخلاقية مفادها أن فرض التغيير السياسي من الخارج يقوض أسس النظام الدولي
ذاته.
وتتقاطع هذه الإشكالية مع
مسألة القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يقدم بوصفه منظومة كونية محايدة، بينما يحمل
في جوهره مرجعية حداثية غربية تُستعمل انتقائيًا، خصوصًا في العالم الإسلامي،
لإضفاء شرعية على التدخل الخارجي ففي الحالة الإيرانية، يُستدعى خطاب الحقوق
والحريات المدنية والسياسية في آن واحد لتأطير النضال الداخلي المشروع، ولتغذية
ضغوط دولية تمس السيادة، ما يخلق التباسًا خطيرًا بين الحق السياسي والمدني بوصفه
تعبيرًا عن مطالب اجتماعية أصيلة، وبين توظيف حقوق الإنسان كأداة هيمنة في سياق
صراعات القوة الدولية.
غير أن هذا التوظيف الخارجي لا ينبغي أن يحجب
حقيقة أن النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والسياسية والمدنية لا يمثل بالضرورة
قطيعة مع المرجعية الإسلامية، ولا مجرد استيراد لنموذج غربي، بل يمكن قراءته ضمن
جدلية أعمق بين الإسلام والحداثة بوصفهما منظومتين قيميّتين متفاعلتين فالإسلام،
في بنيته الأخلاقية والتشريعية، يؤسس لمفهوم الكرامة الإنسانية ويقرّ بحق مقاومة
الظلم والدفاع عن العدل، بما يجعل المطالبة بالحقوق فعلًا مشروعًا من داخل الثقافة
الإسلامية ذاتها، لا استجابة لضغط خارجي، أما الإشكال الحقيقي فيكمن حين تتحول
حقوق الإنسان من أفق تحرري داخلي إلى أداة تدخل دولي، تُفرغ المطالب الاجتماعية من
بعدها الوطني وتضع الحركات الاحتجاجية في موقع التباس دائم بين الشرعية والارتهان
ويعيد ذلك إنتاج معادلة مألوفة في تجارب أخرى، كما في فنزويلا، حيث أسهمت العقوبات
والتهديدات الخارجية في تعزيز خطاب الحصار ومنحت السلطة ذريعة لإغلاق المجال
السياسي وتأجيل أي إصلاح داخلي، وهو ما يؤدي في الحالة الإيرانية إلى إضعاف
التيارات الإصلاحية وإعادة إنتاج منطق الأحادية
Unilateralism.
إن أخطر ما في الوضع الراهن لا يكمن فقط في
شدة القمع أو عمق الأزمة الاقتصادية، بل في تآكل الصيغة التي حكمت العلاقة بين
الدولة والمجتمع منذ 1979 فالدولة التي قامت باسم الثورة ضد الاستبداد والتبعية،
تجد نفسها اليوم متهمة بإعادة إنتاج آليات السيطرة ذاتها، ولكن في سياق تاريخي
مختلف، أقل تسامحًا مع الخطاب الأيديولوجي المغلق، ومع إدراك خطر الفراغ السياسي
عند غياب نخب بديلة أو مؤسسات حزبية فعالة، يعود السؤال الجوهري: هل تستطيع الجمهورية
الإسلامية إعادة تعريف ذاتها خارج منطق الثورة الدائمة، والانتقال من شرعية
عقائدية مغلقة إلى شرعية سياسية قابلة للتفاوض والمساءلة؟
تقف إيران اليوم عند تقاطع حاد بين الداخل
المحتقن والإقليم المضطرب، وبين طموح جيوسياسي واسع وقدرة داخلية محدودة على تحمّل
كلفته وفي غياب أفق سياسي مستقل عن الضغوط الخارجية، غير قادر على إعادة تركيب
العقد الاجتماعي، تظل الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، فالتاريخ الإيراني يعلّمنا
أن الأزمات الكبرى لا تنفجر حين تفشل السياسات فقط، بل حين تفقد الأفكار المؤسسة
قدرتها على الإقناع وما يحدث اليوم هو في جوهره اختبار حاسم لقدرة الدولة
الإيرانية على التوفيق بين الإسلام والحداثة، بين الدور الإقليمي والاستقرار
الداخلي، وبين الثورة بوصفها ذاكرة، والدولة بوصفها ضرورة تاريخية، وبين إمكانية
إيجاد نخب جديدة قادرة على إدارة التحولات سلمياً في حالة أي فراغ سياسي (التداول
حول السلطة) ولا يمكن فهم هذا المأزق الإيراني بمعزل عن التنافس الجيوسياسي
المحتدم بين القوى الكبرى حول موقع إيران ودورها في النظام الدولي، وهو تنافس
تشكّل منذ اللحظة المؤسسة للجمهورية الإسلامية عقب الثورة سنة 1979، حين دخلت
العلاقات الإيرانية–الأمريكية مسار قطيعة حادّة توّجته أزمة اقتحام السفارة
الأمريكية في طهران في 4 نوفمبر 1979 واحتجاز 52 دبلوماسيًا لمدة 444 يومًا، لم
تكن هذه الحادثة مجرد خرق لمبدأ حصانة البعثات الدبلوماسية كما تقرّه اتفاقية
فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961، بل تحولت إلى صدمة مؤسسة أعادت تعريف
العلاقة بين الطرفين على أساس العداء البنيوي، حيث نظر إليها الوعي الثوري
الإيراني بوصفها فعلًا سياديًا ضد تاريخ طويل من التدخل الأمريكي، من انقلاب 1953
إلى دعم نظام الشاه، بينما اعتبرتها واشنطن انتهاكًا جوهريًا للقانون الدولي
استوجب الرد بالعقوبات والعزل وقطع العلاقات سنة 1980. ومنذ ذلك التاريخ، تبلورت
السياسة الأمريكية تجاه إيران ضمن منطق الاحتواء والضغط، مرورًا بدعم العراق خلال
الحرب الإيرانية–العراقية، ثم سياسة «الاحتواء المزدوج»، فإدراج إيران ضمن «محور
الشر»، وصولًا إلى توظيف ملفي العقوبات وحقوق الإنسان في سياق الصراع حول البرنامج
النووي والانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي سنة 2018. في المقابل، تعاملت الصين
مع إيران بمنطق براغماتي قائم على اعتبارات الطاقة ومشروع «الحزام والطريق» وعدم
التدخل في الشؤون الداخلية، بينما أقامت روسيا علاقة شراكة ظرفية معها في ملفات
الأمن الإقليمي، خاصة في سوريا، دون القبول بتحولها إلى قوة إقليمية مستقلة
مهيمنة. وهكذا تجد إيران نفسها في قلب لعبة أمم لا تستهدف بالضرورة استقرارها
الداخلي أو تحولها الديمقراطي، بقدر ما توظف أزمتها ضمن صراع أوسع على النفوذ
وإعادة تشكيل النظام الدولي، ما يجعل «الدولة الممكنة» رهينة توازن دقيق بين
السيادة والشرعية وضغوط الجغرافيا السياسية، ويعيد طرح السؤال حول قدرة الجمهورية
الإسلامية على الانتقال من منطق الثورة الدائمة إلى منطق الدولة القابلة للتفاوض
والمساءلة.
إرسال تعليق