اخر الأخبار |

من مبدأ مونرو إلى مبدأ ترامب: تحولات الخطاب والممارسة في التدخل الأمريكي بأمريكا اللاتينية

 


شهد العقد الأخير نقاشا واسعا في الأدبيات السياسية والأكاديمية حول مدى حداثة الظاهرة الترامبية في السياسة الخارجية الأمريكية. ويتمحور هذا الجدل حول سؤال جوهري مفاده: هل يمثل الاستخدام المكثف للسلطة التنفيذية من قبل دونالد ترامب ونمط قيادته القائم على منطق المصلحة المباشرة وتجاهله النسبي للأعراف القانونية والدبلوماسية الدولية قطيعة نوعية مع تقاليد السياسة الأمريكية؟ أم أن ما يوصف غالبا بأنه سلوك غير مسبوق ليس في حقيقته سوى تعبير عن ضعف الذاكرة التاريخية، كما يرى المؤرخ والمعلق السياسي نيال فيرغسون الذي يعد أن الإفراط في توصيف سياسات ترامب بالجدة يخفي جهلا نسبيا بسوابق تاريخية راسخة في الممارسة الأمريكية؟

أعاد التدخل الأمريكي الأخير في فنزويلا وما صاحبه من ترحيل إستثنائي للرئيس نيكولاس مادورو وزوجته إلى نيويورك لمواجهة اتهامات تتعلق بالاتجار بالمخدرات إحياء هذا النقاش في سياق السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية. فقد سبقت هذه العملية العسكرية سلسلة من الاستعراضات القسرية للقوة في المنطقة، شملت حملات جوية استهدفت سفنا يشتبه في تورطها بتهريب المخدرات، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان ممارسات تعود إلى حقبة دبلوماسية القوة. ولم يقتصر الأمر على الممارسة بل تجاوزه إلى التنظير، حين أعلن البيت الأبيض تبنيه ما وصف بـمبدأ ترامب بوصفه امتدادا معاصرا لمبدأ مونرو في القرن التاسع عشر الذي كرس للأمريكتين كمجال حصري للنفوذ الأمريكي، ومنه منع أي تدخل خارجي منافس.

يرى عدد من المحللين في شؤون المنطقة أن هذه التطورات لا تمثل خروجا جذريا عن السياق التاريخي بل استمرارا لنمط متكرر في السياسة الأمريكية، فمن هذا المنظور لا تختلف الإطاحة القسرية المحتملة بمادورو وما رافقها من تصريحات رسمية بشأن إدارة المرحلة الانتقالية في فنزويلا كثيرا عن التدخل العسكري الأمريكي في بنما عام 1989 لإزاحة الجنرال مانويل نورييغا، بل إن استقراء التاريخ الأبعد يكشف عن سلسلة طويلة من التدخلات، شملت دعم أنظمة عسكرية خلال الحرب الباردة وإرسال قوات إلى دول مثل جمهورية الدومينيكان وهايتي وكوبا في مطلع القرن العشرين. وفي هذا السياق يؤكد برايان وينتر رئيس تحرير مجلة أميريكاز كوارترلي أن "هذه الأنماط من التدخل لم تكن استثناء، بل شكلت القاعدة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية".

في المقابل، يقدم المحلل السياسي جيمس بوسورث قراءة مغايرة مشيرا إلى أن حجم الحشد العسكري الأمريكي الأخير في محيط فنزويلا لا سابقة له في نصف الكرة الغربي منذ ما يقرب من قرن. ويرى بوسورث أن تدخلا مثل عملية الإطاحة بنورييغا كان يعد تاريخيا حالة استثنائية، في حين يسعى ترامب بحسب تعبيره إلى تحويل هذا الاستثناء إلى قاعدة مستدامة في إدارة العلاقات الإقليمية. وتكشف هذه المقارنة عن اختلاف جوهري في تقييم طبيعة التحول: هل نحن أمام استمرارية تاريخية بأدوات جديدة، أم أمام انتقال نوعي نحو نمط أكثر فجاجة من توظيف القوة؟

على الأرجح يحمل كل من المنظورين جانبا من الصواب، فمن ناحية لا يمكن إنكار الجذور العميقة للتدخل العسكري الأمريكي في نصف الكرة الغربي وتنوع أشكاله تبعا للسياقات الزمنية والسياسية، غير أن استدعاء هذه السوابق لا يلغي حقيقة أن توظيف القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين بأسلوب يتسم بالعلنية والمباشرة يبدو متعارضا مع التحولات التي شهدتها بنية النظام الدولي، حيث يفترض أن تحل أدوات الدبلوماسية المتعددة الأطراف والقانون الدولي محل الإكراه الصريح.

وتنعكس هذه الإشكالية بوضوح في مواقف دول أمريكا اللاتينية نفسها، ففي سلسلة تحليلات نشرها أوليفر ستوينكل، يجادل بأن المقارنة بين ما حدث في فنزويلا وغزو بنما عام 1989 تقلل من خطورة اللحظة الراهنة. فبالنسبة لدول مثل البرازيل وتشيلي كان التدخل في بنما حدثا مقلقا لكنه جغرافيا وسياسيا بعيد التأثير المباشر، أما فنزويلا فهي دولة محورية في أمريكا الجنوبية تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ما يجعل أي تدخل فيها ذا تداعيات استراتيجية عميقة على توازنات الإقليم، ويجبر الدول المجاورة على إعادة تقييم درجة تعرضها للنفوذ الأمريكي وحدود استقلال قرارها السياسي.

أما مستقبل فنزويلا في ظل هذه التطورات فيظل محفوفا بقدر كبير من عدم اليقين، فحتى صانعو القرار في واشنطن لا يبدون تصورا واضحا لمسار الأحداث اللاحق. إذ تشير التجارب السابقة إلى أن نمط التدخل المفضل لدى إدارة ترامب يقوم على عمليات سريعة ومحددة الهدف: دخول خاطف، تحقيق غاية سياسية أو أمنية محددة، إعلان النصر، ثم الانسحاب. غير أن التصريحات الأخيرة توحي بإمكانية انخراط أطول أمدا في الشأن الفنزويلي، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا.

في النهاية، لا تقتصر أهمية هذه التطورات على مصير فنزويلا وحدها، بل تتجاوزها إلى إعادة رسم ملامح العلاقة بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وإلى اختبار مدى قدرة النظام الدولي المعاصر على كبح نزعات الهيمنة التقليدية في زمن يفترض أنه تحكمه قواعد التعاون والتعددية. ومن ثم فإن الأسابيع والأشهر المقبلة لن تكون حاسمة لمستقبل دولة بعينها فحسب، بل لمعادلات القوة في القارة بأسرها.


Post a Comment

أحدث أقدم